يرسم الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي صورة “قاتمة” لمستقبل الاقتصاد العراقي في ظل انسداد طرق التصدير وتصاعد التوترات الإقليمية. حيث حذر من “زلزال مالي” سيضرب البلاد في شهر أيار المقبل، مؤكداً أن الإيرادات لن تغطي سوى “ثلث الرواتب”. كما انتقد بشدة “قصور الدبلوماسية” العراقية، وتهالك أسطول الناقلات، محذراً من عجز الحكومة عن تأمين الاحتياجات الأساسية والخدمات دون اللجوء “الفوري” لاقتراض داخلي وخارجي كبير.
انخفاض الإيرادات
ويقول نبيل المرسومي الخبير الاقتصادي، في حديث لـ“العالم الجديد” اليوم السبت (4 نيسان أبريل 2026)، إن “إيرادات النفط في شهر آذار مارس الماضي انخفضت بنسبة 72% مقارنة بشهر شباط، وفقاً للبيانات التي نشرتها شركة تسويق النفط سومو”، موضحاً أن “العراق حقق خلال آذار إيرادات بلغت نحو تريليون وتسعمائة مليون دولار، وهو رقم يعد مرتفعاً نسبياً نتيجة استمرار التصدير عبر مضيق هرمز حتى 8 آذار”.
ويشير إلى أن “صادرات النفط توقفت بعد هذا التاريخ عبر المضيق، ويعتمد العراق حالياً على تصدير محدود يتراوح بين 200 إلى 250 ألف برميل يومياً عبر الخط الكردي المرتبط بميناء جيهان، مع إمكانية ارتفاع الكميات إلى 350 ألف برميل يومياً في حال تشغيل خط كركوك – جيهان بشكل كامل”.
قصور الدبلوماسية
ويطرح المرسومي تساؤلاً، حول أسباب عدم السماح للنفط العراقي المحمول على ناقلات نفط لدول صديقة بالمرور عبر مضيق هرمز، قائلاً: “ما إذا كان ذلك يعود إلى قصور في الدبلوماسية العراقية أم أنه يتقاطع مع الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط.
ويلفت إلى أن “دولاً أخرى في المنطقة، مثل السعودية، تقترب صادراتها النفطية من نحو 5 ملايين برميل يومياً عبر ميناء ينبع، ما يعكس فجوة في قدرات التصدير والبنية التحتية بين العراق ودول الجوار”.
صادرات النفط الأسود
ويضيف المرسومي، أن “العراق يصدر أيضاً النفط الأسود عبر الصهاريج إلى سوريا، مع توقعات بارتفاع الكميات إلى نحو 160 ألف برميل يومياً، ما قد يوفر إيرادات تقارب نصف مليار دولار”، مؤكداً أن “هذه الإيرادات لا تكفي لتغطية الاحتياجات المالية الشهرية”.
بانياس وجيهان
وينبه إلى أن “نقل النفط الأسود عبر بانياس أكثر جدوى من النقل إلى جيهان، لأن المسافة بين البصرة وجيهان تبلغ ١٧١٠ كم وهي أطول من المسافة بين البصرة وبانياس التي تبلغ ١٤٨٥ كم ومن ثم تكون أجور النقل عبر تركيا أكبر من اجور النقل عبر سوريا، فضلاً عن أن الشحنات التي تباع عبر سوريا تكون بخصم ١٦٠ دولار للطن عن السعر العالمي بينما ترتفع في الخط التركي إلى ٢٥٠ دولار للطن”.
الأزمة في آيار
ويبين، أن “العراق يحتاج إلى ما لا يقل عن 6 مليارات دولار شهرياً لتأمين الرواتب والرعاية الاجتماعية”، لافتاً إلى أن “شهر نيسان قد يشهد استقراراً نسبياً نتيجة وصول عائدات مبيعات شباط، إلا أن الأزمة ستبرز بشكل واضح في شهر أيار”.
ويؤكد الخبير الاقتصادي، أن “التدفقات المالية المتوقعة في أيار لن تغطي سوى نحو ثلث الرواتب، ما يضطر الحكومة إلى اللجوء للاقتراض الداخلي أو الخارجي، بقيمة تصل إلى نحو 5 تريليونات دينار لتغطية الرواتب فقط، إضافة إلى الحاجة لاقتراض آخر لتغطية النفقات التشغيلية، بما يشمل الرعاية الاجتماعية والصيانة والكهرباء والغاز والأدوية”.
ويحتاج العراق إلى أكثر من تسعة تريليونات دينار شهرياً، أي ما يعادل ستة مليارات دولار، لتأمين مرتبات الموظفين والعاملين في القطاع العام والمتقاعدين ومنح شبكة الرعاية الاجتماعية والسلة الغذائية، اعتماداً على الإيرادات المالية المتحققة من صادرات النفط، التي انخفضت بنسبة تجاوزت 80% بعد عرقلة سلاسل إمداد الطاقة في مضيق هرمز بفعل تصاعد وتيرة التصعيد العسكري في المنطقة.
تشكيل حكومة جديدة
ويرى المرسومي، أن “الأزمة الحالية تفرض الإسراع في تشكيل حكومة عراقية كاملة الصلاحية وإعداد موازنة عام 2026، بما يمنحها الغطاء القانوني للاقتراض الداخلي والخارجي، وخصم الحوالات لدى البنك المركزي العراقي، واتخاذ إجراءات أخرى لتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي، ولا سيما الرواتب والرعاية الاجتماعية والخدمات الحيوية مثل الماء والكهرباء وغيرها.
يأتي ذلك في وقت يعيش فيه العراق حالة من “الانسداد السياسي”، منذ الانتخابات التشريعية التي جرت أواخر عام 2025، إذ لم تتمكن القوى الفائزة من استكمال الاستحقاقات الدستورية، بما في ذلك انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتكليف رئيس لمجلس الوزراء لتشكيل الحكومة المقبلة، فيما اقتصرت الخطوات المتحققة حتى الان على انتخاب هيئة رئاسة البرلمان فقط.
ناقلات متهالكة
ويكشف الخبير الاقتصادي، أن “شركة ناقلات النفط العراقية، التي تأسست عام 1972، تمتلك حالياً 6 ناقلات نفطية مخصصة لنقل المنتجات النفطية، بطاقة استيعابية تبلغ نحو 117 ألف طن، وأن أربعاً من هذه الناقلات تجاوز عمرها التشغيلي أكثر من 15 سنة، ما يعكس تقادماً واضحاً في أسطول النقل النفطي. وقد تم تمديد فترات الصيانة الدورية لتكون كل سنتين ونصف بدلاً من خمس سنوات، خاصة للناقلات التي تقل أعمارها عن 15 سنة، في ظل غياب التحديث أو التوسع في عدد الناقلات”.
ويلفت إلى أن “الشركة لا تمتلك حالياً أي ناقلة متخصصة بنقل النفط الخام العراقي، في حين كانت تمتلك 25 ناقلة بطاقة 1,485مليون طن عام 1983 تقوم بنقل النفط الخام العراقي من موانئ العراق إلى موانئ الدول الأخرى، بالمقابل تمتلك السعودية 40 ناقلة نفط خام عملاقة بطاقة استيعابية قاربت 12 مليون طن، فيما تمتلك الكويت 32 ناقلة للنفط الخام والغاز والمنتجات النفطية بطاقة 4,640 مليون” .
الأسعار الفورية والآجلة
وينبه المرسومي إلى أن “سوق النفط العالمية تشهد حالياً ما يُسمى بـ(الباكورديشن)، وهي الحالة التي تكون فيها الأسعار الفورية أعلى من أسعار الآجلة أو المستقبلية”.
ويردف، أن “خام برنت ارتفع في السوق الحرة أو الفورية إلى 141 دولاراً للبرميل، في حين بلغ السعر في العقود الآجلة تسليم حزيران القادم 109 دولارات”، مرجعاً ذلك إلى “التصعيد الكبير في الحرب القائمة حالياً، مع احتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز لمدة طويلة، فضلاً عن التوقع بتراجع الخزين النفطي”.
وتشهد المنطقة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل في 28 شباط فبراير 2026، تصاعداً غير مسبوق في التوترات العسكرية والأمنية، التي انعكست بشكل مباشر على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الدولية.
ومع دخول الأزمة يومها الـ36 حتى( 4 نيسان أبريل 2026)، تصاعدت حدة المواجهات، بالتزامن مع إغلاق أو تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات النفطية في العالم، ما تسبب باضطراب كبير في تدفقات النفط وارتفاع الأسعار عالمياً.









